من يتحمل مسؤولية إفشال برامج تأهيل قطاع تعليم السياقة في زمن تنامى فيه نزيف الطرقات؟
في الوقت الذي تزداد فيه مؤشرات حوادث السير بشكل مقلق، سواء داخل التجمعات السكنية أو خارجها، ويُسجل المغرب سنويًا أرقامًا مخيفة في الخسائر البشرية والمادية، تطرح تساؤلات جادة حول مدى نجاعة السياسات المعتمدة في تأهيل قطاع تعليم السياقة، باعتباره أحد المفاتيح الجوهرية لتحقيق السلامة الطرقية. وإذا كانت الإرادة الرسمية قد عبّرت في أكثر من مناسبة عن نية تنزيل برامج إصلاحية لهذا القطاع الحيوي، فإن واقع الحال يُظهر عجزًا ميدانيًا واضحًا، سببه غياب خطوات استباقية جريئة تؤسس لتغيير حقيقي، لا يكتفي بتجميل القرارات بل ينفذ إلى عمق الإشكال.
المتتبع لمسار تنزيل هذه البرامج يدرك أن اعتماد نفس الأساليب القديمة في التشاور والتخطيط لا يمكن أن ينتج سوى نفس النتائج المخيبة. فقد دأبت اللقاءات التي تجمع الإدارة الوصية بالتمثيليات المهنية على تكرار خطاب النوايا دون المرور إلى مرحلة الفعل، بل الأدهى أن المقترحات المهنية غالبًا ما بقيت شفهية، مفتقرة للسند المكتوب والحجج الواقعية، وهو ما أعاق عملية التقييم الموضوعي والقياس الدقيق للأثر. وإذا كان لا بد من تغيير فعلي، فإنه يجب أن ينطلق أولًا من إشراك فعلي وجاد لمهنيي القطاع، عبر تقديم تصورات مكتوبة ومعللة، نابعة من معايشة ميدانية دقيقة لواقع مؤسسات التكوين.
من جهة أخرى، فإن تفعيل المراقبة المستمرة داخل مراكز تسجيل السيارات، سواء على مستوى قاعات الامتحان النظري أو حلبات الامتحان التطبيقي، لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة تفرضها خطورة الوضع الحالي. غير أن المثير للاستغراب أن حجز المواعيد بالأنظمة الرقمية يتم وفق معايير تحترم الشكل فقط، إذ تُصرح المؤسسات بوجود المدرب والمركبة رغم غيابهما الفعلي خلال الامتحان، ما يجعل الحصة الشهرية من المواعيد مجرد إجراء إداري خالٍ من الجدية والمصداقية. وفي ظل غياب مراقبة صارمة، تُفرغ الإجراءات من مضمونها وتُفتح الأبواب على مصراعيها أمام التحايل واللامهنية.
وحتى حين يتم الإعلان عن تمديد مسارات الامتحان التطبيقي خارج الحلبة، فإن التنفيذ على الأرض غالبًا ما يكون صوريا ولا يعكس الهدف المرجو. ويكفي التوقف عند ما يجري بخصوص الامتحان التطبيقي خارج الفضاء المغلق الحلبة و مرحلة الامتحان خارجها او ما يعرف بالدورة الشرفية اسم يبخص و ينقص من قيمة الامتحان بمعظم المدن المغربية إن لم أقل سائرها يقتصر على مسار لا يتعدى 150 او 200 متر، تم تقليص المسارات الخارجية بشكل مثير للقلق، مع غياب تام لأي تشوير طرقي، أو تقاطعات، أو حركة سير حقيقية. وفي مثل هذا السياق، تصبح المناورات داخل الحلبة هي الفيصل، وتُمنح رخص السياقة لأشخاص لم يتم تقييمهم بالشكل الكافي، ما يجعل من هذه الوثيقة، في نظر البعض، مجرد رخصة شكلية لا تعكس الكفاءة المطلوبة لقيادة المركبة في ظروف الطريق الواقعية.
![]()
هذه الممارسات وغيرها تُفرغ مفهوم الإصلاح من محتواه، وتُفقد الإجراءات الرسمية مصداقيتها، وتجعل من التعريفة الدنيا للتكوين مجرد حبر على ورق، بما أن واقع التكوين لا يتعدى في كثير من الأحيان بضع ساعات مخصصة لتقنيات المناورة داخل الحلبة. وهذا الوضع يُنتج جيلا من السائقين يحمل رخصة سياقة دون أن يكون قد خضع لتكوين حقيقي يمكنه من استيعاب قواعد السير، وفهم المخاطر، والتصرف السليم في المواقف الحرجة، مما يُفاقم من الوضعية المأساوية لحوادث السير.
وبناء عليه، فإن نجاح أي برنامج لإصلاح قطاع تعليم السياقة يظل مرهونًا بتوفر إرادة حقيقية للتغيير، وباعتماد مقاربة ميدانية ترتكز على المراقبة الفعلية، وتتبع جودة التكوين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوفير شروط تكوين فعلي يرقى إلى طموحات المغرب في الحد من النزيف اليومي على الطرقات. الإصلاح لا يمكن أن يبقى شعارًا يُردد في بلاغات رسمية، بل يجب أن يتحول إلى فعل ميداني ملموس تُقاس نتائجه بالأثر لا بالتصريحات.
✍️بقلم عادل رقاص
فاعل جمعوي و مسير مؤسسة لتعليم السياقة بمدينة فاس
