تقرير أممي: النظم الفلاحية بالمغرب عرضة لتقلبات المناخ بشكل حاد

 

 

 

كشفت تقارير دولية حديثة عن هشاشة عميقة في النظم الزراعية والغذائية، خاصة أمام موجات الحر الشديدة وتوالي سنوات الجفاف. هذه العوامل المناخية القاسية لم تعد مجرد ظواهر ظرفية، بل أصبحت واقعاً مستمراً يعيد تشكيل معالم الإنتاج الفلاحي ويطرح تحديات حقيقية أمام الأمن الغذائي الوطني.

ويبرز تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بشراكة مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الفلاحة المغربية، التي تساهم بأكثر من 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام، تظل شديدة الاعتماد على التساقطات المطرية، ما يجعلها عرضة لتقلبات المناخ بشكل حاد. وقد عرفت الفترة الممتدة ما بين 2022 و2024 ظروفاً مناخية وُصفت بالأصعب خلال العقود الأخيرة، نتيجة تداخل موجات الحر مع جفاف طويل الأمد استمر لسنوات.

وسجل المغرب خلال هذه المرحلة موجات حر قياسية من حيث الشدة والمدة، حيث تجاوزت درجات الحرارة في العديد من المناطق عتبة 40 درجة مئوية، ما أدى إلى إجهاد كبير للمحاصيل الزراعية وتدهور وضعية الثروة الحيوانية. ولم تقتصر تأثيرات هذه الظواهر على الجانب الإنتاجي فقط، بل امتدت لتشمل توازن المنظومة البيئية بأكملها، في ظل ارتفاع مخاطر حرائق الغابات وتراجع الموارد المائية بشكل غير مسبوق.

وتعكس الأرقام المسجلة حجم الخسائر التي تكبدها القطاع، إذ انخفض إنتاج الحبوب بشكل حاد، مسجلاً تراجعاً يناهز 43 في المائة خلال موسم 2023-2024، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ سنوات طويلة. كما شهد إنتاج القمح تراجعاً لافتاً، إلى جانب تأثر الزراعات ذات القيمة المضافة مثل الزيتون والحوامض، حيث أدت الحرارة المرتفعة، خاصة خلال فترات الليل، إلى تساقط الثمار وتراجع جودة المنتوج، بما في ذلك انخفاض نسبة الزيت في الزيتون.

وفي السياق ذاته، لم تسلم الثروة الحيوانية من تداعيات هذه التغيرات، إذ أدى الإجهاد الحراري ونقص الأعلاف إلى تدهور صحة الماشية، ما انعكس سلباً على إنتاج الحليب واللحوم. وأمام هذه الأوضاع الصعبة، اضطر عدد من الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن بعض الأنشطة الفلاحية، خاصة في المناطق البعلية، مما عمّق من هشاشة الأسر القروية وزاد من حدة الفوارق الاجتماعية.

وتتجاوز آثار هذه الأزمة القطاع الفلاحي لتشمل الموارد الطبيعية، حيث تعرضت الغابات المغربية لخسائر كبيرة بسبب الحرائق التي اندلعت بفعل الحرارة المرتفعة والجفاف، خصوصاً في مناطق الشمال. كما أدى تراجع التساقطات وارتفاع معدلات التبخر إلى انخفاض حاد في مخزون السدود والمياه الجوفية، ما تسبب في اضطرابات في تزويد المياه الصالحة للشرب وفرض قيود صارمة على الري، الأمر الذي زاد من تعقيد الوضع الزراعي.

ويؤكد التقرير أن هذه التطورات تكشف بوضوح هشاشة النظم الفلاحية بالمغرب، ليس فقط بسبب العوامل المناخية، بل أيضاً نتيجة اختلالات بنيوية تتعلق بضعف التأقلم مع التغيرات البيئية وقلة الاستثمار في الابتكار الزراعي. كما يشير إلى أن الحلول التقنية، رغم أهميتها، تظل غير كافية إذا لم تُواكب بإصلاحات اجتماعية واقتصادية تضمن تمكين الفلاحين من الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا والتمويل.

وفي هذا الإطار، يدعو الخبراء إلى تبني مقاربات جديدة تقوم على تطوير أصناف زراعية مقاومة للحرارة والجفاف، وتعديل مواعيد الزراعة، وتحسين طرق تدبير المياه، إلى جانب تعزيز أنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الكوارث المناخية. كما يبرزون أهمية توفير آليات التأمين والدعم المالي لحماية الفلاحين من الصدمات المناخية المتكررة.

غير أن الرهان الأكبر، حسب التقرير، يظل في بناء منظومة فلاحية أكثر صموداً واستدامة، قادرة على التكيف مع واقع مناخي متغير، وذلك عبر سياسات عمومية متكاملة تستند إلى التخطيط الاستراتيجي والتعاون الدولي. فمستقبل الفلاحة بالمغرب، كما هو الحال في العديد من الدول، أصبح رهيناً بمدى القدرة على مواجهة تحديات المناخ، وتحويلها إلى فرص لإعادة هيكلة القطاع على أسس أكثر توازناً ونجاعة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الأمن الغذائي لم يعد مسألة إنتاج فقط، بل أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بقدرة الأنظمة الفلاحية على الصمود أمام الصدمات المناخية، وهو ما يفرض تسريع وتيرة الإصلاحات وتكثيف الجهود لضمان استدامة هذا القطاع الحيوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكنك النسخ