لم تكن أيام الملتقى الوطني لرفاق الجمعية المغربية لتربية الشبيبة بأكادير مجرد أيام عابرة في أجندة الأنشطة الصيفية، بل كانت تجربة متكاملة عاشها نحو 200 يافع ويافعة، جمعتهم قيم مشتركة، وفتحت أمامهم فضاءات للتعبير والحوار والإبداع، في دورة حملت اسم المرحومة أميمة كموس، واختارت لنفسها شعارًا يلخص فلسفتها: «نحن رفيقات ورفاق أميج.. أوفياء للوطن، وصناع للمستقبل».
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن هذا الملتقى لا يريد أن يكتفي بتقديم برنامج جاهز لليافعين، بل يسعى إلى جعلهم جزءًا من التجربة وصنّاعًا لتفاصيلها. فبين الورشة واللقاء، وبين النقاش والسهرة، وبين الرياضة والخرجة، كان المشاركون يجدون مساحة لاكتشاف ذواتهم والتعبير عن أفكارهم وبناء علاقات جديدة.
من اللقاء إلى الحوار.. اليافع في قلب النقاش
شكلت اللقاءات الحوارية واحدة من أبرز مكونات الملتقى، حيث انتقل المشاركون من موقع المتلقي إلى موقع المحاور وصاحب السؤال.
وكان اللقاء التواصلي مع رئيس الجمعية ورئيس الجامعة الوطنية للتخييم، محمد كليوين، مناسبة لفتح نقاش مباشر مع اليافعين حول قضايا المواطنة ودور الشباب في المجتمع، وما ينتظر منهم في المستقبل، خصوصًا في ظل التحولات التي يعرفها العالم والحاجة إلى جيل قادر على المبادرة وتحمل المسؤولية.
كما حمل الملتقى تجربة فنية وفكرية مميزة من خلال اللقاء الحواري مع المخرج المسرحي أمين ناسور والفنان هلال زوبير، حيث اقترب اليافعون من عالم المسرح والفن، واستمعوا إلى تجارب ضيوفهم، وطرحوا أسئلتهم وانشغالاتهم حول الإبداع والمسار الفني ودور الفن في التعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع.
وقد تحول اللقاء إلى مساحة حقيقية للتفاعل، أكدت أن الفن ليس مجرد فرجة، وإنما وسيلة للتفكير والتعبير وبناء الشخصية، وأن المسرح قادر على منح اليافع صوتًا ومساحة لطرح الأسئلة ومناقشة القضايا التي تشغله.
«مؤتمر اليافع».. عندما يصبح السؤال بداية للمشاركة
ومن التجارب اللافتة كذلك مؤتمر اليافع، الذي منح المشاركين فرصة مناقشة عدد من القضايا والأفكار في أجواء تحفز على الحوار والتفكير.
لم يكن الهدف هو الوصول دائمًا إلى إجابات جاهزة، بقدر ما كان الرهان على قدرة اليافعين على طرح الأسئلة، والاستماع إلى بعضهم البعض، والدفاع عن آرائهم، واكتشاف قيمة الاختلاف باعتباره جزءًا من الحياة الجماعية.

وفي السياق نفسه، جاءت «حلبة الأفكار» لتمنح النقاش جرعة إضافية من الحماس، من خلال مناظرات تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية، من بينها موضوع الهجرة والقاصرين، حيث وجد المشاركون أنفسهم أمام قضايا مركبة تحتاج إلى التفكير والتحليل، بعيدًا عن الأحكام السريعة.
الفن.. لغة أخرى لصناعة الأمل
إذا كان الحوار قد منح اليافعين فرصة التعبير بالكلمة، فإن السهرات الفنية منحتهم فرصة التعبير بلغة أخرى.
فعلى امتداد أيام الملتقى، تحولت المنصة إلى فضاء مفتوح للمواهب والإبداع، من خلال سهرات متنوعة حملت عناوين ودلالات مثل «أنا من أجل المستقبل» و«ألوان الأمل» و«ضوء القنديل» و«On Air».
وكان اللافت أن العديد من هذه الفقرات لم تقدمها المواهب وحدها، بل شارك اليافعون في صناعة أجوائها، ليصبح المنشط والمتلقي والمبدع شركاء في لحظة واحدة.
وهنا بدا الشعار أكثر حضورًا: «صناع للمستقبل»؛ فالمستقبل لا يصنع فقط داخل الأقسام الدراسية أو في الكتب، بل يصنع أيضًا في لحظة يقف فيها يافع أمام الجمهور، يتحدث بثقة، ويجرب، ويخطئ، ويعيد المحاولة.

أكادير.. فضاء للعيش المشترك
ولأن التربية لا تكتمل بالكلمة وحدها، تنوعت التجربة بين الأنشطة الرياضية والترفيهية والخرجات الاستكشافية.
وكانت محطات السباحة وألعاب التحدي فرصة لتقوية روح الفريق، بينما شكلت خرجة تغازوت لحظة مختلفة جمعت بين الاستكشاف والترفيه والتواصل، وأخرجت المشاركين من فضاءات الأنشطة التقليدية إلى فضاء مفتوح يمنحهم فرصة للاستمتاع بالطبيعة واكتشاف المكان.
كما حملت الأنشطة الجماعية معنى آخر أكثر عمقًا؛ فاليافع الذي يشارك زميله وجبته، ويتقاسم معه لعبة أو نشاطًا، ويشجعه في مسابقة، ويبقى إلى جانبه في لحظة نجاح أو تعثر، يتعلم قيمًا قد لا تحتاج إلى درس نظري حتى تترسخ في سلوكه.
لحظة الوداع.. حين تختصر الشهادة أيامًا من الذكريات
وفي السهرة الختامية، اختلط الفرح بشيء من الحنين.
كانت لحظة توزيع الشواهد أكثر من مجرد إجراء ختامي؛ فقد حملت رمزية الاعتراف بالمشاركة، وبالأيام التي عاشها اليافعون بكل تفاصيلها.
وتخللت السهرة لحظات تكريم وعرفان، من بينها تكريم الكاتب العام للجمعية محسن باهدي، في التفاتة تعكس ثقافة الاعتراف بالعطاء داخل الجمعية، وتؤكد أن العمل التربوي يقوم كذلك على أشخاص يضعون وقتهم وجهدهم في خدمة الأجيال الجديدة.
وبين فقرات السهرة وصور التتويج والابتسامات، كان واضحًا أن لحظة الختام لا تعني نهاية كل شيء، وإنما بداية مرحلة جديدة يعود فيها كل مشارك إلى مدينته ورفاقه وفضائه اليومي، محملًا بتجربة جديدة وذكريات سترافقه طويلًا.
الملتقى ينتهي.. والأثر يبقى
انتهت أيام الملتقى، وغادرت الأصوات فضاءات أكادير، وانطفأت أضواء السهرات، لكن الأثر الذي تركته التجربة لا ينتهي بانتهاء البرنامج.
فالمراهنة الحقيقية لم تكن فقط على تنظيم أيام ناجحة، وإنما على بناء شخصية اليافع، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية قدرته على الحوار والمبادرة والعمل الجماعي، وفتح عينيه على قضايا مجتمعه ووطنه.
وفي دورة حملت اسم المرحومة أميمة كموس، بدا الوفاء حاضرًا ليس فقط في الاسم، وإنما في استمرار الفعل التربوي الذي يجعل من الشباب طاقة للأمل والعمل.
